تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كلمة رئيس مجلس المستشارين في الجلسة الافتتاحية للمنتدى البرلماني الدولي العاشر للعدالة الاجتماعية

2026-02-09

بسم الله الرحمــن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

يشرفني، باسم مجلس المستشارين، أن أرحب بكم جميعا في فعاليات المنتدى البرلماني الدولي العاشر للعدالة الاجتماعية، الذي نعقده تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وبشراكة مثمرة مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

 إن هذه الرعاية الملكية السامية، التي نعتز بها أيما اعتزاز، تؤكد العناية المولوية لقضايا العدالة الاجتماعية والتي تحظى، بفضل الرؤية المتبصرة والتوجيهات السامية، بمكانة بارزة في أجندة بلادنا، كخيار استراتيجي حاسم في مسار بناء الدولة الحديثة وإرساء أسس المشروع المجتمعي الذي يقوده جلالته حفظه الله.

والأكيد، أن بلوغ هذا المنتدى لدورته العاشرة، يجعله فضاء مؤسساتيا راسخا للتفكير المشترك والذكاء الجماعي وللحوار التعددي. وهو ما يجسد في العمق، طبيعة مجلس المستشارين وتمثيليته المتفردة، وحرصه على جعل المنتديات البرلمانية، أداة فعلية للمساهمة في صناعة السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها وتقييمها.

 حضرات السيدات والسادة،

وغَنيٌ عن البيان، أن هذه الدورة تكتسي أهميتها الخاصة، من انعقادها في لحظة تنموية مفصلية تمر بها بلادنا، لحظة تتسم بما يُسميه اقتصاديو التنمية ب "فخ الدخل المتوسط Trappe des pays à revenu intermédiaire" حيث تتعقد مسألة المفاضلة بين تسريع الإقلاع الاقتصادي وتعميق العدالة والادماج الاجتماعيين. 

فلقد كشفت تقارير وطنية ودولية متقاطعة، وعلى رأسها تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، أن بلادنا تحتاج إلى انعطافات بنيوية وقطائع مدروسة في الاختيارات العمومية.

وأمام هذا المنعطف الدقيق، بادر صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، إلى فتح ورش بناء الدولة الاجتماعية كجواب حاسم لايتعارض مع الإقلاع الاقتصادي، بل يحصنه ويوفر له شروط المناعة والاستدامة. 

وقد تجسد ذلك، في إطلاق إصلاحات هيكلية عميقة، وبرامج اجتماعية طموحة، مؤطرة برؤية متكاملة تربط النمو بالإدماج، وتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكافة المواطنات والمواطنين، وتمنح التحول التنموي قاعدة مجتمعية صلبة ومتماسكة. 

والمعطيات الهيكلية المتوفرة، تؤكد وجاهة الجواب الملكي السامي، إذ ولج المغرب لأول مرة في تاريخه نادي الدول ذات مؤشر التنمية البشرية المرتفع، مع تسجيل تحسن ملحوظ في جهد النمو الاقتصادي بـأكثر من نقطة مقارنة مع متوسط العقد الأخير. 

وفي امتداد لنفس الاختيار الاستراتيجي، وإدراكا من جلالته نصره الله بأن مكتسبات الدولة الاجتماعية لا تكتمل إلا إذا انعكست بعدالة على المجال والتراب، أعطى جلالته توجيهاته السامية بتوسيع أفق الإصلاح ليشمل فضلا عن البعد الاجتماعي البعد المجالي أيضا، والانتقال من منطق السياسات القطاعية المتفرقة إلى رؤية تنموية مجالية مندمجة، تجعل العدالة الترابية ركيزة موازية للعدالة الاجتماعية. 

وفي هذا السياق، يكتسي الخطاب الملكي السامي، بمناسبة عيد العرش المجيد لسنة 2025 دلالة تأسيسية في تأطير هذا التحول، حين أكد حفظه الله: 

"لقد حان الوقت لإحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية. لذلك ندعو إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية، إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة. هدفنا أن تشمل ثمار التقدم والتنمية كل المواطنين في جميع المناطق والجهات، دون تمييز أو إقصاء" (انتهى النطق الملكي السامي).

ولا شك أن بلادنا، بفضل هذه الرؤية الوطنية المتكاملة، باتت تتوفر على خارطة طريق واضحة لاستدراك العجز التنموي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.

 غير أن نجاح هذه الرؤية يستلزم منا جميعا مضاعفة الجهود لتسريع تنزيلها، وتعزيز التنسيق، وتأهيل الحكامة، وتعميق الإصلاحات، مع التقييم المستمر لآثارها لضمان استدامة النتائج. 

وجدير بالتأكيد، في هذا الإطار، أن ربح معركة العدالة الاجتماعية، مرتبط أيضا بقدرة بلادنا على مواجهة التحولات العالمية المتسارعة والاتجاهات الهيكلية العميقة، التي قد تسهم في تعطيل المكتسبات المحققة، وتحول دون تحقيق النتائج المرجوة. 

فليس خافيا اليوم، أن هناك تغييرا واضحا في طبيعة العوامل التي تهدد مسار العدالة الاجتماعية والمجالية، ذلك أن الفجوات التكنولوجية والرقمية، وتدفقات الهجرة ومخاطر الحروب والصراعات الجيوسياسية، وتواتر الأزمات الاقتصادية، علاوة على التحولات والتغييرات المناخية، أضحت اليوم أبرز التحديات أمام هذا المسار، وهو ما يستدعي تعزيز آليات اليقظة والاستباقية ومرونتها الاستراتيجية، لضمان حماية مكتسبات العدالة الاجتماعية وتحقيق شموليتها. 

ولعل ما تشهده اليوم، مناطق واسعة في أقاليم الشمال والغرب للمملكة من فيضانات واضطرابات مناخية غير مسبوقة، لتقدم مثالا حيا على أن التغير المناخي أصبح واقعا ملموسا وتهديدا حقيقيا على مناعة وصمود الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية.

وإذ نجدد التعبير ، في هذا الصدد، عن مشاعر التضامن والتعاطف الصادق مع المواطنات والمواطنين المتضررين وكافة الساكنة، سائلين الله تعالى أن يشمل أهلنا في المناطق المتضررة بلطفه وحفظه؛ فإنه لا بد من التأكيد على أن تدبير بلادنا لهذه المخاطر، و كما كان عليه الشأن في جائحة كوفيد-19 ومواجهة تداعيات زلزال الحوز سنة 2023، شكل نموذجا عمليا لتجسيد قيم التضامن الوطني المجتمعي والمجالي في اللحظات الصعبة، من خلال التعبئة الشاملة والانخراط المسؤول لمختلف السلطات العمومية والمجتمع المدني وعموم المواطنات والمواطنين وذلك بفضل الرؤية  المتبصرة والاستباقية والتوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي تجعل حماية الإنسان وصون كرامته في صلب وقلب الاختيارات الوطنية.

السيدات والسادة،

لقد جاء اختيار شعار هذه الدورة "العدالة الاجتماعية في عالم متحول: الحاجة إلى سياسات منصفة لمجتمعات أكثر صمودا"، معبرا بعمق عن طبيعة المرحلة التي يجتازها العالم اليوم، وما يصاحبها من اختبارات حقيقية لمدى قدرة الدول والمجتمعات على الصمود والتكيُّف.

ولهذا، فإن الرهان اليوم، هو في الواقع رهان ثلاثي الأبعاد: اقتصاد قوي.. مجتمع متماسك .. وحكامة فعالة. 

 

وتشكل هذه الأبعاد المحاور المؤطرة لأشغال هذه الدورة من المنتدى: حيث يعالج المحور الأول أثر التحولات العالمية على التشغيل والنمو والتماسك الاجتماعي؛ فيما يمثل المحور الثاني المرتبط بالإنصاف والحماية الاجتماعية، جوهر النقاش حول سبل بناء سياسات شاملة ومندمجة للحماية الاجتماعية، تنتقل من منطق تعدد البرامج إلى منطق التكامل والالتقائية، ومن مجرد التغطية إلى ضمان الأثر والنجاعة المتوخاة، وأخيرا المحور الثالث، الذي يروم تسليط الضوء على الحكامة البرلمانية للعدالة الاجتماعية، والتي تمثل ركيزة أساسية لضمان تحويل السياسات الاجتماعية من إعلانات وخطط إلى واقع ملموس، من خلال التشريع الجيد، والرقابة اليَقِظَة، وتقييم الأثر الفعلي للبرامج والسياسات.

وإذ نعول كثيرا على مخرجات هذا المنتدى، فإننا نأمل أن تفضي أشغاله إلى نقاش مثمر وتوصيات عملية وقابلة للتنفيذ، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر عدلا وشمولا وقدرة على الصمود، آملين أيضا أن تشكل رصيدا معرفيا قيما يـمكن توظيفه، على مستوى الفِرق والمجموعات البرلمانية واللجان الدائمة والمؤقتة، لتعزيز جودة العمل البرلماني، وتطوير آليات المراقبة والتقييم، ودعم التشريع المبني على الأدلة والأرقام والمعطيات.

السيدات والسادة،

إن تحقيق العدالة الاجتماعية بفعالية أمر لا يمكن تصوره بمعزل عن مقاربة تشاركية تقوم على تكامل أدوار مختلف الفاعلين المؤسساتيين والاجتماعيين، ويظل فيها العمل البرلماني رافعة أساسية لتعزيز هذا المسار، حيث يضطلع مجلس المستشارين في هذا الإطار، بحكم تركيبته الدستورية التي تمثل الجماعات الترابية والمنظمات المهنية والشركاء الاجتماعيين، بدور محوري في مواكبة أوراش العدالة الاجتماعية، وفي تعزيز التقائية السياسات العمومية ذات البعد الاجتماعي.

فمن خلال اختصاصاته التشريعية والرقابية، وكذا وظيفته في تقييم السياسات العمومية، يشكل المجلس فضاء مؤسساتيا للحوار الاجتماعي والتداول العمومي، ويساهم في توطيد التنسيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبين المستوى الوطني والمستويات الترابية، بما يضمن نجاعة التدخلات الاجتماعية وانسجامها مع حاجيات المواطنين وانتظاراتهم.

كما يولي مجلس المستشارين أهمية خاصة لتنظيم تبادل الخبرات وتقاسم أفضل الاختيارات والممارسات، سواء على الصعيد الوطني أو في إطار التعاون والدبلوماسية البرلمانية، بما يتيح البناء على التجارب الناجحة، واستباق التحديات، وملاءمة التشريعات والسياسات العمومية مع الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية. 

 

ومن خلال هذا الحوار المؤسساتي المفتوح، واستثمار الذكاء الجماعي، يمكن بلورة حلول مبتكرة وفعالة، قادرة على ترجمة مبادئ العدالة الاجتماعية إلى سياسات وتشريعات عملية، قابلة للقياس، ومستدامة الأثر.

ختاما، لا يفوتني أن أعرب عن بالغ الشكر والتقدير لجميع المشاركات والمشاركين، من مسؤولين حكوميين وبرلمانيين وخبراء وأكاديميين وممثلي المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية، على تلبيتهم الدعوة ومساهمتهم المقدرة في إغناء هذا الموعد الفكري والمؤسساتي الهام.

كما أتوجه بالشكر الخاص إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على شراكته البناءة وإسهامه القيم، وإلى كل من ساعد في الإعداد والتنظيم، مجددا التأكيد على أن رهان العدالة الاجتماعية هو رهان جماعي، لا يمكن كسبه إلا بتظافر الجهود وتكاملها، وتبادل الآراء والتجارب، وتعزيز التعاون والتضامن، خدمة للإنسان وكرامته.

 

شكرا لكم على كريم الإنصات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.